محمد داوود قيصري رومي

315

شرح فصوص الحكم

قوله : ( حتى أكون مترجما ( 43 ) لا متحكما ليتحقق من يقف عليه من أهل الله أصحاب القلوب ، أنه من مقام التقديس المنزه عن الأغراض النفسية التي يدخلها التلبيس ) . إشارة إلى أن هذه العبارة ليست ملقاة عليه في العالم الروحاني ، بل شاهد الشيخ ، رضي الله عنه ، رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في صورة مثالية ، فأعطاه الكتاب ، وألهمه الحق المعاني والحكم التي تضمنها الكتاب ، فتجلت له وانكشفت عليه هذه الحقائق ، ثم عبر عنها بألفاظه بقوله : ( حتى أكون مترجما ) أي ، سألت الله العصمة والتأييد حتى أكون مترجما لما أراد الله إظهاره بلساني من المعاني والحكم التي أعلمني الله إياها من الكتاب الذي أعطانيه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لا متحكما بالتصرف النفساني فيها بالزيادة أو النقصان ، فإنهما من فعل الشيطان . والمراد ب‍ ( أهل الله ) ، الكاملون من أرباب الكشف والشهود ، الواصلون إلى حضرة الذات والوجود ، الراجعون من حضرة الجمع إلى مقام القلب ، لذلك بين بقوله : ( أصحاب القلوب ) . فإن الإنسان إنما يكون صاحب القلب ، إذا تجلى له الغيب وانكشف له السر وظهر عنده حقيقة الأمر وتحقق بالأنوار الإلهية وتقلب في أطوار الربوبية ، لأن المرتبة القلبية هي الولادة الثانية المشار إليها بقول عيسى ، عليه السلام : ( لن يلج ملكوت السماوات والأرض من لم يولد مرتين ) . قوله : ( أنه من مقام التقديس ) أي ، ليتحقق أهل الله بالحقيقة واليقين أن هذا الكتاب ، أي معانيه وأسراره لا ألفاظه ، منزل من مقام التقديس ، وهو مقام أحدية جمع الجمع . وتقديسه وتنزيهه إنما يكون من الثنوية والأغيار باعتبار

--> ( 43 ) - فلئن قيل ( المترجم ) إنما يقال على من يأخذ المعاني من لغة غريبة ويرويها بلغة أهله ، وهو خلاف ما علم من كلامه أن الكتاب بجملته إنما أعطاه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قلنا : إن الرؤيا موطن التعبير ، فإن الأشياء يرى فيها بأمثلتها وأشباهها لا بصورها أنفسها ، فالكتاب في مبشرته إنما هو مثال جمعية علوم الأنبياء ومعارفهم وصورة لباب أذواق الكمل وملكاتهم ، فأخذها عن المعدن بصورتها التي فيه ، وعبر عنها بلسان أهل زمانه منزها عن تدليسات الأغراض النفسية وتلبيسات الصور الطبيعية . ( ص )